أبو الليث السمرقندي
470
تفسير السمرقندي ( تفسير بحر العلوم )
[ سورة الحج ( 22 ) : الآيات 72 إلى 73 ] وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا الْمُنْكَرَ يَكادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آياتِنا قُلْ أَ فَأُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذلِكُمُ النَّارُ وَعَدَهَا اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ( 72 ) يا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُباباً وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبابُ شَيْئاً لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ ( 73 ) ثم قال عز وجل : وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ ، يعني : يعرض عليهم القرآن . تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا الْمُنْكَرَ ، يعني : الغم والحزن والكراهية . يَكادُونَ يَسْطُونَ ، يعني : هموا لو قدروا يضربون ويبطشون أشد البطش بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آياتِنا ، يعني : يقرءون عليهم القرآن . وقال القتبي : يَسْطُونَ يعني : يتناولونهم بالمكروه من الضرب والشتم . ويقال : يَسْطُونَ يعني : يفرضون عليهم ، والسطوة العقوبة . قُلْ أَ فَأُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذلِكُمُ النَّارُ ، يعني : بأشد وأسوأ من ضربكم وبطشكم ؛ ويقال : إنهم كانوا يسخرون من أصحاب النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ورثاثة حالهم . قال اللّه تعالى : قل لهم يا محمد : أَ فَأُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذلِكُمُ يعني : مما قلتم للمؤمنين ؟ قالوا : ما هي ؟ قال : النّار . وَعَدَهَا اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا يعني : للكافرين . قوله : وَبِئْسَ الْمَصِيرُ الذي صاروا إليه . قوله عز وجل : يا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ يعني : بين ووصف شبه به لآلهتكم ، أي أجيبوا عنه . وقال بعضهم : ليس هاهنا مثل ، وإنما أراد به قطع الشغب لأنهم كانوا يقولون : لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ [ فصلت : 26 ] ، فقال : يا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ ، فاصغوا إليه استماعا للمثل . فأوقع في أسماعهم عيب آلهتهم ، فقال : إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ، ويقال : معناه مثلكم مثل من عبد آلهة ، لَنْ يَخْلُقُوا ذُباباً ، لن يقدروا على خلق الذباب . ويقال : المثل في الآية لا غير ، وهو قوله : إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُباباً ، أي لن يقدروا أن يخلقوا ذبابا من الذباب في المثل . وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ ، يعني : على تخليقه . ثم ذكر من أمرها ما هو أضعف من خلق الذباب ، فقال : وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبابُ شَيْئاً ، وذلك أنّهم كانوا يلطخون العسل على فم الأصنام ، فيجيء الذباب فيسلب منها ما لطخوا عليها . لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ، أي لا يقدرون أن يستنقذوا من الذباب ما أخذ منهم . ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ ، يعني : الذباب والصنم ، ويقال : ضعف العابد والمعبود . [ سورة الحج ( 22 ) : الآيات 74 إلى 76 ] ما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ ( 74 ) اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلاً وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ ( 75 ) يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ ( 76 ) قوله عز وجل : ما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ ، يعني : ما عظّموا اللّه حق عظمته ، حين أشركوا به غيره ولم يوحدوه . ويقال : ما وصفوه حق صفته ؛ ويقال : ما عرفوه حق معرفته كما ينبغي .